النووي

21

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

فَرْعٌ مُقْتَضَى كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ تَجْوِيزُ تَقْدِيمِ الْإِجَارَةِ عَلَى خُرُوجِ النَّاسِ لِلْحَجِّ ، وَأَنَّ لِلْأَجِيرِ انْتِظَارَ خُرُوجِهِمْ ، وَيَخْرُجُ مَعَ أَوَّلِ رُفْقَةٍ . وَالَّذِي ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ يُنَازَعُ فِيهِ . وَيَقْتَضِي اشْتِرَاطَ وُقُوعِ الْعَقْدِ فِي زَمَنِ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ . حَتَّى قَالَ صَاحِبُ « التَّهْذِيبِ » : لَا تَصِحُّ إِجَارَةُ الْعَيْنِ ، إِلَّا فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ ، بِحَيْثُ يَشْتَغِلُ عَقِيبَ الْعَقْدِ بِالْخُرُوجِ أَوْ بِأَسْبَابِهِ مِنْ شِرَاءِ الزَّادِ وَنَحْوِهِ . فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ ، لَمْ يَصِحَّ . وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ بِمَكَّةَ ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ؛ لِيُمْكِنَهُ الِاشْتِغَالُ بِالْعَمَلِ عَقِيبَ الْعَقْدِ . وَعَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ : لَوْ جَرَى الْعَقْدُ فِي وَقْتِ تَرَاكُمِ الْإِنْدَاءِ وَالثُّلُوجِ ، فَوَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي « الْوَجِيزِ » ، وَصَحَّحَهُ فِي « الْوَسِيطِ » لِأَنَّ تَوَقُّعَ زَوَالِهَا مَضْبُوطٌ . وَالثَّانِي : لَا لِتَعَذُّرِ الِاشْتِغَالِ بِالْعَمَلِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ انْتِظَارِ خُرُوجِ الرُّفْقَةِ فَإِنَّ خُرُوجَهَا فِي الْحَالِ غَيْرُ مُتَعَذِّرٌ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ . أَمَّا إِجَارَةُ الذِّمَّةِ ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْخُرُوجِ بِلَا شَكٍّ . قُلْتُ : أَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ هَذَا النَّقْلَ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ قَالَ : وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ صَاحِبِ « التَّهْذِيبِ » يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ الْإِمَامِ ، أَوْ هُوَ شُذُوذٌ مِنْ صَاحِبِ « التَّهْذِيبِ » لَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إِلَى جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ ، فَإِنَّ الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي « التَّتِمَّةِ » وَ « الشَّامِلِ » وَ « الْبَحْرِ » وَغَيْرِهَا ، مُقْتَضَاهُ : أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْخُرُوجُ وَالسَّيْرُ عَلَى الْعَادَةِ ، أَوِ الِاشْتِغَالُ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ . قَالَ صَاحِبُ « الْبَحْرِ » : أَمَّا عَقْدُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَيَجُوزُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ، لِإِمْكَانِ الْإِحْرَامِ فِي الْحَالِ ، هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . فَرْعٌ